جديد الموقع

إعلان حالة الطوارئ البيئية لتنظيف الليطاني والقرعون: عطش بيروت والضاحية يروى بمياه قاتلة!

يوما بعد يوم، تزداد الأدلة على سوء التخطيط الهادف لتأمين مياه الشفة لبيروت والضاحية، والذي سيكلف لبنان دينا جديدا بقيمة مليار ومائتي مليون د.أ (وهو مبلغ قابل للارتفاع وفق تجاربنا مع مشاريع مشابهة) فضلا عن تدمير مرج بسري بما فيها من ثروات طبيعية وثقافية وبما قد يسببه إنشاء سد فيه من مخاطر بحصول زلازل. جديد هذه الأدلة هو أن 60 مليون متر مكعب من المياه أو ما يعادل 33% من مجموع المياه التي يهدف هذا المشروع لتأمينها، وهي المياه التي يقترض جرّها من بحيرة القرعون، هي مياه قاتلة. هذا ما نستشفه من شهادة البروفسور كمال سليم الذي خص المفكرة بما وصلت إليه دراسته وتحاليله لمياه البحيرة. بالطبع، خطورة هذه الشهادة لا تدحض فقط الوعود بضمان المياه لبيروت والضاحية، إنما تدق أيضا ناقوس الخطر بما يتصل بسلامة مجمل الأشخاص الذين يعيشون في محيط البحيرة (المحرر).
 
فيما يحتدّ النقاش حول مشروع سد بسري المزعوم لتأمين المياه إلى بيروت والضاحية ومناطق عدة في جبل لبنان، ومن ضمنه جر 60 مليون متر مكعب من مياه بحيرة القرعون إلى محطة الوردانية المنوي إنشاؤها لتكرير مياه السد والقرعون معاً، يجزم الخبير البيئي الباحث في مجلس البحوث العلمية البروفيسور كمال سليم عدم صلاحية مياه القرعون حتى للري، ومن باب أولى عدم صلاحيتها للشفة. كما هو يؤكد أن البحيرة تُقتل ليس فقط بسبب السيانوبكتيريا، بل أيضاً بسبب الغازات الخطيرة التي تترسب في أعماقها، وتخرج إلى سطحها لتنشر الأمراض السرطانية وغيرها. ومن المعروف أن نسب الإصابة بالسرطان في بعض مناطق البقاع تبلغ 3 إلى 5 أضعاف المعدلات في لبنان بسبب تلوث الليطاني والقرعون وفق المعطيات الأولية لدراسة كان يشرف عليها الدكتور إسماعيل سكرية بالشراكة بين الجامعتين اللبنانية والأميركية في 2016.
وأهم هذه الغازات، التي صنفها البروفيسور سليم ب"الدفيئة"، التي تستوطن بحيرة القرعون حاليا هي الميتان وغاز الكبريت وغاز الأمونيا، وهي غازات سامة، تفوق خطورتها خطورة غاز ثاني أوكسيد الكربون ب 20 مرة على الأقل. وتتسبب هذه الغازات التي بدأت الخروج من قعر البحيرة إلى سطحها ب "الأمراض السرطانية على أنواعها وكذلك الصدرية والتنفسية والتشوهات الخلقية كما تؤثر على ظاهرة الإنحباس الحراري وتساهم في تغيير المناخ"، وفق البروفيسور سليم نفسه. وشدد سليم عبر المفكرة القانونية على ضرورة إجراء أبحاث ودراسات متقدمة وإضافية لقعر البحيرة لتحديد وتبيان الآثار السلبية التي استجدت على البحيرة بالإضافة إلى السيانوبكاتيريا.
ناحية أخرى خطيرة توقف عندها سليم وهي بدء تمدد السيانوباكتيريا من البحيرة نحو نهر الليطاني باتجاه البقاع، حيث أكد للمفكرة تمددها نحو الداخل البقاعي عبر نهر الليطاني عند مصبه في البحيرة، وقد رصد وصولها حتى الأن إلى حدود جسر صغبين، أي صعودا على مسافة نحو كيلومتر من بحيرة القرعون وعلى سطح مياه الليطاني. يحصل ذلك برغم "الجهود الجبارة التي تقودها مصلحة الليطاني برئاسة رئيس مجلس إدارتها الدكتور سامي علوية، في محاولة تنظيف نهر الليطاني وبحيرة القرعون، بس أيد وحدة ما بتزقف" وفق ما يقول سليم.
ف "الأمر بحاجة إلى إعلان حالة طوارئ على مستوى كل الإدارات لمنع النفايات الصناعية والطبية والصرف الصحي وكل الملوثات عن نهر الليطاني ومعالجة بحيرة القرعون". ومع ذلك حتى لو تم ذلك لن يكون من الممكن استخدام مياه القرعون بأحسن الأحوال إلا للري، وفق ما يؤكده. "يعني مستحيل نقدر نسقي بيروت من القرعون، هذا لا يمكن حصوله، وإذا صحت المعالجات، وهي تحتاج لسنوات من الإلتزام التام ستكون البحيرة صالحة للري فقط".
يأتي حديث سليم ل "المفكرة" في وقت كان اللبنانيون عامة وأبناء البقاع وجيران بحيرة القرعون خاصة ينتظرون أي خبر مفرح عن قرب أو بدء معالجة جدية لتخليص القرعون من السيانوباكتيريا التي قتلتها منذ 2016، يوم نعاها مجلس البحوث العلمية مع نهر الليطاني لدخولها في موت سريري مؤكد، في إثر قضاء السيانوباكتيريا على أحيائها المائية كافة من نباتية وحيوانية.
 
ماذا يعني أن تموت بحيرة القرعون وكيف؟
يقسّم سليم بحيرة القرعون إلى مياه سطحية (أي سطح البحيرة، وجهها)، وإلى قعر البحيرة، أي المياه العميقة. نحن نتحدث هنا عن معدل عمق وسطي يقارب 20 متراً، حيث تبلغ أعمق نقطة فيها نحو 30 متراً، كونها تتمدد كأكبر مسطح مائي في لبنان على شكل بيضاوي مقعّر.
يقول سليم الذي أبلغ السلطات الرسمية منذ نحو عشر سنوات عن اجتياح السيانوباكتيريا لبحيرة القرعون ودق ناقوس الخطر من دون جدوى، أن سطح البحيرة مغطى بطبقة تكاثر كثيف (Bloom) من السانوباكتيريا وهي كائنات مجهرية تُفرز سموما قاتلة قضت على كل الكائنات الحية في البحيرة من الفلورا والفونا (نباتية وحيوانية)، ولم يبق سوى سمكة الكارب الضخمة التي تقاوم المياه الملوثة والسامة. وتتكاثر السيانوباكتيريا بكثرة كونها تتغذى على "النيترات والفوسفات الناتجة عن مياه الصرف الصحي والمبيدات والأسمدة الزراعية والمعادن الثقيلة في النفايات الصناعية التي لوثت الليطاني والبحيرة"، وفق سليم.
لكن هذه الطبقة السطحية من السيانوباكتيريا ليست قليلة السماكة كما قد يوحي اسمها، "بل تتكثف بسماكة لا تقل عن 10 أمتار، ويمكن للناظر إلى البحيرة رؤية اللونين الأخضر والأزرق المفروشين على سطحها". يقول البروفيسور سليم أن الأخضر هو إشارة إلى وجود الكلوروفيل أي (Pigment) وهو الصباغ الأخضر الذي تنتج منه السيانوباكتيريا غذاءها. أما اللون الأزرق فهو الفيكوسيانين (Phycocyanine) وهو الصباغ الأزرق الذي لا يتواجد سوى في السيانوباكتيريا.
إذن، هذه الكتلة البيولوجية من السيانوباكتيريا، التي تفرش سطح البحيرة بسماكة عشرة أمتار، "تموت وتتكاثر بشكل متواصل وسريع كما كل الكائنات المجهرية"، وفق سليم. ولذا فإنها "بموتها تهبط إلى قعر البحيرة تاركة السطح للسيانوباكتيريا الحية. تترسب في الأعماق وتتآكل ثم تتحلل عن طريق باكتيريا تتغذى على هذه الكتلة البيولوجية من السيانوباكتيريا الميتة، مما يؤدي إلى استهلاك الأوكسيجين الموجود في أعماق البحيرة". ومع انتفاء الأوكسيجين من أعماق البحيرة "يصبح قعرها غير قابل للحياة".
ويؤكد سليم أن هذا التحلل والتآكل للكتلة البيولوجية من السيانوباكتيريا يحوّلها إلى غازات دفيئة من بينها غاز الميتان وH2S أي غاز الكبريت وكذلك غاز الأمونيا "وهذه غازات سامة بتنا نراها على شكل فقاقيع ظاهرة على سطح البحيرة وخصوصا غاز الميتان وهو كما الكبريت والأمونيا من الغازات الدفيئة التي تفوق خطورتها خطورة غاز ثاني أوكسيد الكربون بعشرين مرة على الأقل للميتان وأكثر منها للكبريت والأمونيا.
ويتحدث سليم عن دراسة حديثة أجريت على بحيرة في كندا، وهي بالطبع ليست بسوء وضع القرعون، وبينت وجود 125 ملليغرام من غاز الميتان في كل متر مكعب من المياه، وهذا الغاز يتبخر في الجو لدى وصوله إلى سطح البحيرة كما يحصل اليوم في القرعون. وهو يؤكد تسبب غازات الميتان والكبريت والأمونيا بأمراض سرطانية وصدرية وتنفسية وتشوهات خلقية، كما تساهم في الإنحباس الحراري وتغيُّر المناخ.
ويرصد سليم من خلال مراقبته لسطح بحيرة القرعون ما يبدو "وكأنها تتنفس بانبعاثات غاز الميتان القاتل وهو ما يزيد من سميتها، وعليه يجب إجراء أبحاث ودراسات متقدمة لقعر البحيرة كما سطحها لتبيان الآثار السلبية التي استجدت بالإضافة إلى السيانوباكتيريا.
 
السيانوباكتيريا تتمدد نحو نهر الليطاني
يبدو وكأن بحيرة القرعون تردّ الصاع صاعين لنهر الليطاني، فهي التي قتلتها السيانوباكتيريا بسبب تلوث النهر بالنفايات الصناعية والطبية وتلك العائدة للصرف الصحي لكامل بلدات وبلديات الحوض الأعلى لليطاني في البقاع، بدأت السيانوباكتيريا، كما يؤكد البروفيسور سليم، تتمدد من البحيرة باتجاه نهر الليطاني عبر مصبه في البحيرة المتكونة وراء سد القرعون. وبما أن السيانوباكتيريا تعيش في المياه الراكدة، فقد تمددت نحو مياه نهر الليطاني التي تتباطأ لدى اصطدامها بالبحيرة فتخف حركتها وتصبح شبه راكدة غير جارية. ويقدر سليم هذا التمدد بمسافة كليومتر تقريبا داخل النهر، وهي المسافة الفاصلة بين البحيرة وجسر صغبين على الليطاني، حيث رصدها سليم (أي عند جسر صغبين). ولم يكن هناك سيانوباكتيريا في الليطاني، وهذه المرة الأولى التي تتمدد فيها باتجاهه وبهذه المسافة.
تأتي هذه الوقائع برغم المعارك التي تخوضها مصلحة الليطاني ورئيس مجلس إدارتها دكتور سامي علوية على كل الجبهات لتنظيف النهر، وخاصة في القضاء حيث هناك نحو مائتي دعوى وإخبار، وآخرها الشكوى بحق بلدية زحلة ورئيسها والتي تلوث الليطاني مع مدينتها الصناعية بنحو 50 مليون متر مكعب من المياه العادمة الملوثة من نفايات صناعية وصرف صحي. كما تبين مؤخراً أن عصارة مكب زحلة السامة تذهب إلى الليطاني مباشرة.
هل صار مطلوبا إخلاء القرى من حول بحيرة القرعون لحماية ناسها من السرطان الذي يفتك بهم مع أهل بلدات البقاع الأوسط وخصوصا حوش الرافقة وتمنين التحتا وبرّ الياس والقرعون نفسها؟ هل هذه هي المياه التي سيسحب منها مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الطاقة 60 مليون متر مكعب لضمها إلى سد بسري لتأمين مياه الشفة لبيروت والضاحية؟ هل هذه المياه التي سيتعين على أهل بيروت والضاحية شربها؟ والأهم، تقدّم لنا هذه المعطيات أسئلة إضافية حول مدى صوابية مشروع تأمين مياه الشفة لهاتين المنطقتين. فإلى جانب ما قد يتسبب به هذا المشروع في حال تنفيذه من أضرار بيئية وجيولوجية تبعا لتدمير مرج بسري ومن تفاقم للدين العام، نكتشف اليوم أن ثلث المياه التي يهدف إلى تأمينها هب مياه ملوثة بالسيانوباكتيريا وبغازات الميتان والكبريت والأمونيا، بكلمة أخرى مياه قاتلة.

المصدر: المفكرة القانونية

إخترنا لك

مادة إعلانية
Script executed in 0.057132005691528