جديد الموقع

إيمان بشير - موقع الضاحية الجنوبية

لا يكاد الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصرالله، يطلّ في خطابه الأخير في المهرجان الانتخابي بعلبك الهرمل – زحلة حتى تختنق الكلمات في حنجرته، لولا أن صلابة هذا القائد ورأفته في آن، تساعدناه على رسم المواقف كما يجب أن تكون، دون تكلّف أو عناء. يلقي التحية خجلاً أمام الحشود الغفيرة، التي انتظرته تحت عاصفة الثلوج المفاجئة، دون أن تبرح مكانها. انتظرهم ليسلموا عليه لأكثر من دقيقة، على غير عادة. تشاطر والحشود المحبة والوفاء لهذا الخط، الذي نُدين له بحريتنا وبحياتنا، ويدين لنا بمشاركتنا وبصوتنا. يقولها "يخاف عليهم من الطقس". بحزمٍ "سيقطع الكلمة إذا أعطاه الإخوان ورقة ببدء الشتاء". لا يتردد بالتفاخر في محبته لأهل البقاع قائلاً: "لا احتمل أن أخطب وأنتم تحت الشتاء". كل هذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على الصلة الوثيقة التي تجمع السيّد نصرالله بأهالي المنطقة.

قلّما ترى اليوم من يناقش في أصل المشاركة في الانتخابات النيابية، التي تُقبل علينا بعد غد، بحفاوتها وقسوتها في بعض الأحيان. ربما، لن يكون الاستحقاق الآتي كسائر الانتخابات السابقة، لناحية القانون الانتخابي الجديد الذي يفرض تغيير بعض المعادلات في عدّة دوائر. إنما يستدعي علينا جميعًا المشاركة الكثيفة، لاعتبار أن العزوف عن التصويت هو دون شك "نصرة للباطل". تُثقل كاهلنا فكرة الحديث عن خذلانٍ للمقاومة، ولنوابها، العرابين في مجلس النواب، فنشيخ فجأة مستذكرين سنوات الحرب التي لا تُنسى، من تحرير الجنوب عام 2000، إلى نصر تموز عام 2006، وصولًا إلى التحرير الثاني عام 2017. نسب الآلاف من خارج البيئة المذهبية والتنظيمية لحزب الله بعد هذه الانتصارات أنفسهم إلى المقاومة، دون إستئذان. نسبوها لأنفسهم ثقةً ووفاء. لأنها للجميع. تراهم بعين واحدة، وتدافع عن حدود الوطن الذي يحمل أبناءه بتنوعهم وعلى اختلافهم دون أن يلفظ أحدًا منهم، بيد أن هذه المقاومة لم تطلب منهم شيئًا، ولأول مرة، سوى التصويت لمن يستحق، لمن لا يتآمر على المقاومة، كما فعل إبّان معركة الجرود.

يحصل أن نستدين، فنُرجع الدين. نحن ندين للمقاومة، وها هي الفرصة لإرجاع بعض من هذا الدين الذي نحمله. المفارقة أن اللائحة الثانية في بعلبك الهرمل دعمت ومولت الجماعات المسلحة في الجرود، بل ومنعت الجيش اللبناني والقوى الأمنية من التدخل، في حين أن حزب الله كان الجهة الوحيدة التي سعت إلى دخول الجيش وحسم المعركة. المفارقة الكبرى أن توضع لائحة لجهة رفعت رايات النصر، وهزمت جبروت "اسرائيل"، وطردت الارهابيين من الحدود، وعملت أيضًا في الخدمات، أمام لائحة دعمت الإرهابيين الذي أرسلوا السيارات المفخخة إلينا. هل نستيم السيارات المفخخة؟ تلك التي راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى، دون رحمة أو تفرقة بين مقاتل أو مدني، بين شاب أو رجل كبير، بين نساء أو أطفال. منعت المقاومة بدماء مقاوميها وصول المزيد من السيارات المفخخة إلى المدنيين، والصواريخ التي استهدفت المدن البقاعية، ودخول الجماعات المسلحة إلى لبنان، دفاعًا عنه دون أن تميّز بين مناطقه. مشكلة حزب الله أنه لم يعمل إعلاميًا على صعيد الخدمات، منذ سبع سنوات حتى الآن، كما يحتم عليه عمله الانتخابي. لا يقيم مؤتمرًا عند كل طرفة عين، ولا يظهر هنا وهناك "لطبل" أذان الناس في الخدمة التي قدمها للمواطنين. مجلس الوزراء يدرك تمامًا من رفض تمويلاً لمرضى السرطان مثلاً. لم تهدأ الافتراءات والأكاذيب، منذ شهرين حتى الآن، لشيطنة العمل السياسي لحزب الله، ونوابه على الصعيدين الشخصي والسياسي. غابت بهذا حقيقة مهمة: النواب في اللائحة المقابلة لم يقدموا خدمات أفضل، رغم أنهم حظيوا بإمكانيات أعلى وبدعم كبير.

أقترع كي لا يُعاد أمام ناظري مشهد الصليب في فم إمراة مسيحية، او نساء مسبية تُباع هنا وهناك. أقترع كي لا أرى مساجد بيروت تُدنّس وتدمر واحدًا تلو الآخر. أقترع كي لا تستبيح "اسرائيل" مياه الليطاني وخيرات الجنوب كما تستبيح سماء لبنان متى يحلو لها ذلك. أقترع كي لا تُخطف الراهبات ويُقتل الشيوخ وتموت أطفالنا أمام أعيننا، أو على الشواطئ غرقًا وفي الطرقات جوعًا. اقترع لدموع تلك الأم التي قدمت ولدها لكل لبنان، ولم تطلب جزاء ولا شكورا، بل اضطرت إلى سماع الإهنات والتهديدات والتهم. أقترع لأجل أولئك الجرحى، الذين بُترت أقدامهم وأياديهم، وأُطفئت عيونهم خلال الدفاع عني وعن أهلي في سلسلة الجرود الشرقية. أقترع، لأجل ذلك اليتيم الذي استشهد أباه في الجنوب، في حرب تموز، فأينع والتحق بصفوف المقاومة بعد أن شقي وحده في بناء مستقبله. أقترع لوفاء ذلك المقاوم الذي رغم جراحه أصرّ العودة إلى الميدان حتى الشهادة. أقترع لأجل ذلك الشيخ الكبير الذي قدّم اثنين من أبناءه شهداء دفاعًا عن الوطن، حزينًا لأنه لا يمتلك شبابًا أكثر ليقدمهم في سبيل المقاومة. لأجل كل ذلك، ودون نقاش أو تردد، سأنتخب المقاومة.

إخترنا لك