جديد الموقع

تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التهديدات بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا ما جعل الأمور تشي بحصول ضربات متبادلة في الشرق الأوسط أو حرب أميركية خاطفة على سوريا قد تتوسع بشكل لا تحمد عقباه.

تصاعدت التصريحات المتبادلة لتصل التهديدات إلى أعلى القمة بين الطرفين، فلم يعد الموضوع متوقفاً على الدولة السورية والضربة الأميركية المزمعة، إنما أصبحت روسيا طرفاً استراتيجياً في هذه اللعبة، لن يقبل أن يتم استهداف حليفه الوثيق في الشرق الأوسط والذي يعتبر المنفذ الأساسي لروسيا في المتوسط.

دعا دونالد ترامب روسيا للاستعداد فالصواريخ الأميركية الذكية حاضرة، وتحرك الأسطول الأميركي من فيرجينيا نحو الشرق الأوسط واصبحت القوات الأميركية على أهبة الاستعداد وكأن الحرب واقعة لا محالة. الطرف الروسي بصلابته المعهودة الممزوجة ببرودة الطقس رد على هذه التصريحات بالقول إن لدى روسيا خيارات عديدة لرد سريع وفعال على أي تهديد أميركي، محذراً واشنطن من هكذا ضربة لأنه لن يقف مكتوف اليدين، وبدأت طبول الحرب بانتظار أوامر رئيسي أعظم دولتين في العالم حالياً لعلها تُقرع فتنفس ما يحصل من تهديدات قلبت المناخ في المنطقة إلى أقصى درجات السخونة التي قسمت العالم ما بين مؤيد لهذه الضربات وبين من هو في صف سوريا يتوق لأي مواجهة لكي يلقن الأميركي درساً لن ينساه.

لو عدنا قليلاً في التاريخ لوجدنا أن ما يحصل اليوم شيبه جداً بما حصل خلال الحرب الباردة مع فارق كبير أن روسيا اليوم لديها إرادة أكبر على المواجهة ومعها حلفاء صمدوا وانتصروا واسقطوا المشاريع الأميركية ومستعدون لأي حرب قادمة، فالحرب الباردة التي كانت نتيجة حالة الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وحلفائهم منذ منتصف الاربعينيات حتى أوائل التسعينيات، ظهرت خلالها الندية بين القوتين العظميين خلال التحالفات العسكرية والدعاية وتطوير الأسلحة والتقدم الصناعي وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي. ولقد اشتركت القوتان في انفاق كبير على الدفاع العسكري والترسانات النووية وحروب غير مباشرة باستخدام وسيط، وهو ما يحصل تحديداً منذ بداية الحرب على سوريا ودخول روسيا طرف فيها.

ما تقدم يجعلنا نقول إن الأطراف المتصارعة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لن تدخل في حرب، فالاستراتيجية الأميركية قد تبدلت في السنوات الأخيرة، وأصبح الاعتماد لديها على الوكلاء في أي معركة تريد خوضها ضد أي دولة، وهذا ما جعلها تستخدم الإرهابيين في حربها ضد الدولة السورية وذلك لتقليص حجم خسائرها العسكرية والبشرية مع إمكانية تمويل الحرب من حلفائها فضلاً عن تسويق أسلحتها وفتح أسواق لمبيعها لدى هؤلاء  الذين على رأسهم السعودية التي عقدت صفقات كبيرة مع الولايات المتحدة.

لقد أزعجت الانتصارات التي حققها الجيش السوري والحلفاء، منذ تحرير حلب حتى اليوم الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها، وأتى تحرير الغوطة الشرقية وبالتالي تأمين العاصمة دمشق وكسر مقولة إسقاط الدولة في سوريا لتقصم ظهر البعير لدى الأميركيين، وهذا ما جعلهم يذهبون نحو استخدام بدعة الكيميائي ما يعطيهم ذريعة لتوجيه ضربات إلى دمشق يكون هدفها اولاً التنفيس عن هذه الخسائر وتلميع صورة الإدارة الأميركية التي لطالما توعدت وهددت الدولة السورية ووعدت حلفاءها بعدم قبول بقاء الرئيس الأسد في السلطة ولعدم القول إنها تخلت عن "المعارضة السورية".

هذا فضلاً عن أن أي طرف يدخل الحرب لن يقبل الخروج منها خاسراً خالي الوفاض، فكيف ستقبل الولايات المتحدة الأميركية الخروج خالية الوفاض بعد سقوط "داعش" الذي دعمته وغذته وكبرته لمواجهة من يناوئها في المنطقة، ومن ثم خسارة رهاناتها الواحد تلو الآخر على المعارضة السورية المسلحة، فلن تقبل الخروج خالية الوفاض من هذه المعركة، لذلك تأتي هذه التهديدات لكي تؤمن الولايات المتحدة الأميركية مكاسب أكبر خلال التفاوض من أجل الحل، فيكون تراجعها عن الحرب مقابل الحصول على ما تريده من مكاسب في سوريا، وقد بدأ الرئيس الأميركي ووزارة الحرب بالتراجع شيئاً فشيئاً عن هذه التهديدات.

وإذا ذهبنا إلى أبعد التقديرات، لنقول أن الحرب هي استمرار الدبلوماسية لكن بلغة القوة فإن ذلك قد يطرح حصول ضربات محدودة من خلال البارجات الأميركية على أهداف محددة لا تضر بأمن سوريا أو أمن حلفائها وأمن القواعد الروسية، أما حصول حرب شاملة فيبدو هذا الخيار مع كل ما يحصل ليس قريباً، وكما ذكرنا فإن وصول صراع الكبار الى مستوى القمة لا يشي بحرب كبرى إنما يؤشر إلى الطلب بمكسب كبير في التفاوض في مقابل ايقاف الحرب الخاطفة.


علي إبراهيم مطر

إخترنا لك