جديد الموقع

كتاب "توازن الرعب" هو أول كتاب من نوعه يتحدث بشكل واضح عن سقوط ما يسمى "دولة اسرائيل" عسكريا وسياسيا. وانطلاقا من المرحلة التي تمر بها المنطقة وأهمية ان نفهم كأمة عربية عدونا المشترك، فقد ارتأينا ان نقدم لقراء صفحتنا سلسلة مقالات مقتبسة من هذا الكتاب، الذي أصبح عالميا لأهميته. 

توازن الرعب - هادي زعرور

 

المقالة الأولى:

لماذا ستنهار إسرائيل ويسقط جيشها؟
إن هذا الطرح أسرده بصيغة حتمية لا بدافع الوطنية أو العروبية أو حتى الإنسانية. ذلك أن المنطق والعقل يفرضان عليَّ الاعتقاد بحتمية انهيار دولة اسرائيل كدولة وحكم وسقوط جيشها.
إن إسرائيل ووجودها في أرض فلسطين حالة غير طبيعية، واحتلال بقوة المال والسلاح والسياسة. ولنعلّل كون وجود إسرائيل أمراً غير طبيعي، لا بد لنا أن ندرس أساس إنشاء هذه «الدولة» الصهيونية. ولأن الحديث يطول سأختصر قدر الإمكان.
إسرائيل «كدولة» تأسست عام 1948، على ظلم كبير لحق بفلسطين، وعلى سيل الدماء البريئة التي أراقتها العصابات الصهيونية آنذاك. فالخطط كان قد مر عليها عقود طويلة، وبدأت علامات القرار بإزالة فلسطين ووضع إسرائيل مكانها قبل عشرات السنين من تأسيسها رسمياً.
بدأت بشكل خفي بشراء مساحات واسعة من الأراضي لصالح أثرياء الصهاينة، ثم امتدت للسيطرة على قرية هنا ومدينة هناك أمنياً، بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني آنذاك لفلسطين. وفي مسرحية طويلة مشؤومة جرى الهجوم على كل فلسطين وتم سلبها بالقوة من قبل الصهاينة، وما لبثت أن تأسست إسرائيل بغطاء دولي أميركي - بريطاني. فالتاريخ يثبت أن إسرائيل هي «دولة» مصطنعة محتلة. وإن علّمنا التاريخ شيئاً فهو أن الاحتلال ولو دام ألف سنة فإن الشعب المحتل في النهاية سينتصر ويحرر أرضه. والأمثلة تاريخياً كثيرة: من احتلال بريطانيا لأميركا في القرن السابع عشر، الى إحتلال أفريقيا والهند وحتى الصين من قبل الغرب. كل هذه الدول تحررت ولو بعد حين. لأن الاحتلال لا يحوّل شعباً ما الى مواطنين للمحتل. فالمحتل يبقى محتلاً وأصحاب الأرض يبقون ورثة الأرض الحقيقيين. 
التاريخ إذن يعدنا بأن أي أرض محتلة لا بد لها أن تحرر. طبعاً لا يعني هذا أن تحرر مصادفة أو بشكل طبيعي مع مرور الزمن فقط، بل بسواعد أهل الأرض المحتلة، لأن ذلك هو مصيرهم.
ولعلم مؤسسي إسرائيل بذلك، أغرقت وحصنت نفسها بالسلاح منذ أن وطأت ودنّست أرض فلسطين وتحضّرت لهجوم من الشعب الذي احتلته. وكذلك فعل أهل فلسطين، ذلك أنهم قاوموا وفعلوا ما بوسعهم؛ لكن أدّت الخيانة وكثرة الأعداء وقلة الحلفاء إلى عدم قدرتهم على تحرير أرضهم. بعد ذلك هب العرب لنصرة الأرض المقدسة، فقاموا بالهجوم تلو الهجوم في عقود امتدت وحروب حُفرت في ذاكرة التاريخ كحرب 1967 وحرب 1973. لكن الحرب لم تفعل شيئاً سوى أنها زادت في قوة إسرائيل للأسف، وذلك جرّاء سوء التخطيط وكثرة الخيانة وقلة السلاح وعدم شجاعة القادة. وهنا قد أكون أزعجت أحداً من القراء بكتاباتي هذه فيظن أنّني أنكر شجاعة الجيوش العربية أو البعض القليل من القادة. وهذا غير دقيق. فالعرب لم يواجهوا إسرائيل بسبب دور في مسرحية، بل لاسترجاع فلسطين. لكن القيادات العربية بمعظمها هي من أفشلت كل الحروب، لأنها لم تتمتع بالشجاعة الكافية؛ ونحن بمعزل الآن عن الخوض في نقاش الأسباب الكامنة وراء إخفاق كل الحروب، وعدم القدرة على طرد الصهاينة من أرض فلسطين. لكنني أسأل أصحاب العقول النيّرة والضمائر الحية: لو قام بعض العرب وليس كلهم آنذاك «بالمشي» فقط إلى فلسطين من دون سلاح ودون قتال، لو قام ثلثهم فقط وكان تعدادهم حينها مئة مليون عربي، بالمشي نحو الأقصى، أما كانت أميركا وبريطانيا لتأمر الصهاينة بالرحيل؟
أمام هول هذا المشهد، لو مشى بضعة ملايين من العرب فقط عوضاً عن المئة مليون، غير مسلحين فقط مشياً على الأقدام، لوضب الصهاينة أمتعتهم وقالوا في أنفسهم «فلنجد أرضاً مصطنعة غير هذه البلاد، إن أهلها لن يقبلوا الاحتلال، لنرحل». 
السبب في احتلال فلسطين حتى اليوم هو السكوت وقبول وجود إسرائيل، فضلاً عن اتفاقيات السلام التي أرت الإسرائيلي أن كل ما يحتاج إليه هو ردع عسكري وسياسي ليبقى في فلسطين. هنا بدأ الخلل، عندما أصبحت المعادلة عسكرية محضة، فصارت الدول العربية تحسب الخسارة والربح، والنصر والهزيمة، أصبحت معادلاتها بالأرقام. فكان العرب يهجمون تارة وينسحبون تارة أخرى بسبب التفوق العسكري الإسرائيلي. بينما كان يُفترض أن تكون المعادلة إنسانية مقدسة مبنية على القرار النهائي باسترجاع الأرض ولو فني العرب جميعاً. لكنهم لم يفكروا كما فكّر السوفيات عندما هاجمهم الألمان إبان الحرب العالمية الثانية، حيث زجّوا بملايين الجنود إلى المعركة، وكان كل تفكيرهم يصب في مكان واحد: «لن نقبل أن تحتلنا ألمانيا النازية». فلو فكر العرب هكذا، ولو فهموا أن إسرائيل متوحشة أكثر من النازيين، لفعلوا المستحيل لمنع قيام دولة إسرائيل أو حتى بقائها. لكنهم لم يفعلوا الكثير، بل اختبأوا خلف أصابعهم، ولم يكترثوا لكرامة الشعوب. لهذا السبب بقيت إسرائيل.
نستنتج من ذلك أن إسرائيل باقية اليوم من خلال معادلة «توازن الرعب» والحرب النفسية القائمة، واعتقاد العرب بأن أحداً لا يستطيع الانتصار على الجيش الإسرائيلي والآلة العسكرية الإسرائيلية المتطورة. 
وها هو التطبيع يزيد يوماً بعد يوم، علماً أن الكثير من النفوس ذات الكرامة لم تقبل التطبيع مع إسرائيل حتى الآن. لكن نرى معظم حكومات الدول العربية قد أحنت رأسها وخرّت أمام إسرائيل، إلا أن «كل» الشعوب العربية لا تزال ترفض وجود إسرائيل، وتنتظر اليوم الذي يبرز فيه قائدٌ يقودهم إلى تحرير فلسطين. وأنا واثق أن كل عربي وكل إنسان رأى ظلم فلسطين وأهلها لا يستطيع إلا أن يفكر هكذا. وأنا لست متحيزاً ولا أكتب بالعاطفة، لكن واجبي الإنساني أن أشير إلى الظلم عندما أراه، والعالم كله يجمع على أن فلسطين وأهلها قد ظلموا أشد ظلم في الوجود.

يتبع ...

 

إخترنا لك