جديد الموقع

رائحة الخبز تتكدّس فوق رأس "حيّ السّلم" مؤلّفةً سحابة مثقوبة. رائحة هربت من صوب تنورٍ عتيق في قرية بقاعيّة أو جنوبيّة نائية، ونزحت إلى ضاحية الضّاحية بحثًا عن الشّمس، لكنّها ولكثافة الأدخنة، هبطت اضطراريًا، واصطدمت بالقاع، ثمّ راحت تعلق تارة بحفرة تخالها من مخلّفات مشروعٍ للتنقيب عن النّفط وسط الشّارع، وتارة في حاوية نفايات غصّت بحمولتها فلفظت أثقالها نحو الأرض، وطورًا في غيمة من غبار "الأراغيل" المتصاعدة، حالمة بالهرب إلى "النيو الضاحية".
أعمدة الإنارة تقف حانية الرّأس إجلالًا لصور الشّهداء التي دُقّت عليها. هذه الأعمدة التي تُضيئها الرّايات الصّفراء، تعرف جيدًا أنّ التّيار الكهربائي لن يمرّ بها إلّا ضيفاً خجولًا حتى لو "شكّت" برأسها 100 ريشة، أو 100 علم لـ "حزب الله"، خلافاً لتلك الأضواء التي لا تنطفىء ليلاً أو نهاراً في "حي الأميركان" و "السان تيريز"، أو "الجاموس".


كثرة هموم الضّاحية، أورثتها مرض الفصام بالشّخصيّة، فبين حيّ السّلم وحيّ الأميركان مسافة قصيرة لا يصح قياسها إلّا بالسنين الضّوئيّة، إلى جانبها منطقة "السّان تيريز" على تخوم منطقة "الحدث" التي أعلنت هي الأخرى الثّورة على البؤس، فتمرّدت على فقر الضّاحية، وراحت تختال بشققها السكنيّة الفخمة، وطرقاتها العريضة، ومقهاهيها التي صارت أشهر من نارٍ على علم، إلى جانبها أسواق ومحال تجارية ومولات ضّخمة باتت مقصداً لكل سكّان لبنان، فيما بقيت المقاهي الشّعبية المتواضعة مقصداً للطبقة الفقيرة.


التناقض الطبقي والأغنياء الجدد
تقرع كنيسة "مار يوسف" في حارة حريك أجراسها، تفوح معها رائحة الحلوى من محلّ "كريمينو" على طريق المطار الذي لا يقصده إلّا الميسورين، يتصاعد صوت الحب "أبانا الذي في السّماء.. أعطِنا خُبزنا". يرفع مولّد الكهرباء أمام فرن "الهادي" الشّعبي في "حيّ السّلم" صلواته، يصدح نشازه في الشّارع الضّيق المزدحم، وحدهُ الرّجل السّبعيني يفرح لتعثّر السّيارات، متمكّنًا من عبور الشّارع ببطء. يتّكىء على عكّازه الخشبيّة، ممسكاً بوعاء "الكِشك" بحذر ليوصله بأمان إلى يدّ الفرّان.
يجلس أبو حسن زعيتر أمام محل خرضواته في برج البراجنة، تهتز صلعته مع ايماءته السّاخرة، "لا تكتبي ولا توجعي قلبك، من 40 سنة ونحن هيك، ما حدا رح يرد" ويكمل " المي عنّا ريحتها بتقتل". في المقلب الآخر وعند الأحياء الجنوبية الشرقية مثل "الجاموس" و"سان تيريز" و "حي الأميركان"، يختلف المشهد تماماً عن الوسط، فيبدو التناقض صارخًا اقتصادياً واجتماعيًا وخدماتيًا.
تبلغ أسعار إيجارات المحالّ التجارية 2000 و3000 دولار في "النيو ضاحية"، بينما لا تتعدى إيجارات المحال في سوق الجمّال في الشياح وسوق البرج 600 دولار.
تجتمع كومة من البشر أمام محل "فلافل خليفة" في منطقة الرّويس، والذي مازال يبيع أرخص سندويش فلافل، فيما مطعم "بربر آغا"، الذي يُعدّ فرعاً لمحال "بربر" في الحمرا الحديثة العهد على أوتوستراد "السيد هادي نصر الله"، فيبدو أنّه أحضر معه نفحة من أسعار شارع الحمرا.

لعلّ التفاوت بين هذه المناطق ناجم بصورة أساسية عن فترة نشوئها، فالمناطق الوسطى والأطراف الجنوبية للضاحية تشكّلت قبل الحرب الأهلية وأثناءها، فيما تشكّلت الأحياء الجنوبية الشرقية مثل "حي الأميركان" و"سان تيريز" بعد الحرب الأهلية عندما بدأ المسيحييون يبيعون أراضيهم تدريجاً مع الفورة العقارية الأولى في منتصف التسعينيات.
دخل بعدها تجار البناء إلى المنطقة ورفعوا أسعارها لتكون مسكناً للميسورين في الضاحية، والتي بدأت تتنافس مع مناطق الوسط وتبتعد إلى حدّ كبير عن المناطق الغربية، بهذا الشأن، يؤكّد المهندس ومتعهّد مشاريع البناء في المحلّة محمّد شيت أنّ "سعرمتر المحل التجاري في النيو ضاحية ارتفع إلى 3 آلاف و4 آلاف دولار"، مضيفًا "هناك  تفاوت كبير بين أسعار العقارات بين منطقة وأخرى، فسعر المتر المبني بين حي السلّم وحارة حريك قد يزيد عن 30 %"، ويُكمل "في "حيّ الأميركان" يمكن أن يتجاوز سعر الشقة مبلغ 500 ألف دولار، فيما حدّه الأقصى في "حيّ السلّم" هو 150 ألف دولار وسطياً، أي أن الفرق يصل إلى 3 أضعاف أو أكثر". 


رئيس اتحاد بلديات الضّاحية "العين بصيرة واليد قصيرة"
أمّا عن امكانيّة إلحاق المناطق المتواضعة بالضّاحية الجديدة اليوم، يؤكّد رئيس إتحاد بلديات الضّاحية محمّد ضرغام أنّه "لا يمكن القيام بهكذا مشروع إن لم نستطع أن نجمع عقارات عدّة متجاورة لإنشاء أبنية واستثمارات أعلى، إذ لا يمكن بناء مشروع في 200 متر، لأنّ المشاريع الكبيرة تحتاج إلى 2000 متر بالحد الأدنى، وهذا أمر صعب جدًا لأنّ أهلنا طبعًا غير جاهزين لهذه الشّراكة". ويُكمل "في البرج والشّيّاح وغيرهما يجب أن يكون هناك مخطط توجيهي وضم وفرز، لتحسين استثمارات العقارات"، ويضيف "فليعلم المواطن أن الماء والكهرباء ليسا من مسؤوليّات البلديّات، ولا يحق للناس محاسبتنا على موضوع ليس من صلاحيّاتنا".  ويُكمل "أهالينا في الضّاحية الجنوبيّة يظنّون أنّنا دولة داخل دولة، ولكنّ إمكانيّاتنا المالية محدودة جداً ولا تسمح لنا"، ويختم "العين بصيرة واليد قصيرة".


فنجان القهوة  بـ 1000 ليرة هنا وبـ 5000 هناك!
فقراء الضّاحية الذين كان التّفاح المغطّس بالسّكر يعدّ حلواهم الوحيدة، باتوا اليوم يقفون حيارى أمام المحال والمطاعم الكثيرة، ورغم الغلاء المعيشي، لا تزال الأسعار في الضاحية أرخص بكثير منها في المناطق الأخرى.
المشهد نفسه، صوت الأراغيل، ورائحة الدّخان، ورجل يحرّك الأحجار على طاولة الزّهر، وضحكات شباب يتمازحون ويضحكون، إنّها قهوة "أبو عسّاف" الشّهيرة عند فوّهة الطّيونة، أو قهوة "أبو صطيف" الشّعبيّة على  أوتوستراد السّيد هادي اللتين تعدّان مرتعاً للطبقات الشّعبيّة حيث لا يتجاوز سعر فنجان القهوة الـ 1000 ليرة، والأرغيلة 5000 ليرة، خلافاً للمقاهي في منطقة "السّان تيريز" مثل "سويس تايم"، وكافيه "لوين"، إذ يبلغ سعر فنجان القهوة 5000 ليرة والأرغيلة تقارب الـ 15000 لأسباب مجهولة.


في قهوة الجّزيرة في حارة حريك، يجلس طالب يعد رسالة الماجستير مع أستاذه الجّامعي، بينما يتناقش بعض الشّبان حول أحداث حيّ السّلم الأخيرة، فيما يكتفي شاب آخر بقراءة كتاب. "الجّزيرة" تشبه في صبغتها "قهوة الشّهداء" عند روضة الشّهيدين، هذه القهوة التي يرتشف فيها الشّبان قهوتهم بهدوء، ثم يلتحقون بقوافل الشهداء الذين عُلّقت صُورهم على جدران المقهى، فتحوّل شباب "حزب الله" فيها من زبائن في المقهى إلى صور شامخة تزيّن جدارنه وتعتز بهم.
على الجّدار الأيمن 3 كادرات بيضاء فارغة معلّقة بين صور الشهداء، يقول أحد الشّبان رافضاً الإفصاح عن إسمه "هيدا الكادر إلي، بس إستشهد رح يحطولي صورتي هون"، ويضيف "هودي كللون صور رفقاتي". 
حياة الضّاحية الهاربة من الأماكن الشّعبيّة، تتركّز في شارع المقاهي المقابل لكنيسة مارمخايل، وتزحف نحو السّان تيريز حيث تختصر طريق صيدا القديمة رائحة السّهر والحنين، من محل "كريمينو" إلى "باب الحارة"، و "حلويات الأمرا"، ومحال العصير و"العرق سوس"، إلى المقاهي المشابهة لقهوة "كنعان" والتي يتجمّع فيها شباب الضّاحية ليتابعوا مبارة كرة قدم أو ليتحلّقوا حول الشّاشة التي يطلّ عبرها السّيد حسن نصرلله في خطاباته، أو من أجل "الأرغيلة" فقط، إلّا في "جلسة" كافيه التي تتخذ طابعاً ثقافياً بحتاً، فتقام فيها الندوات والنقاشات السّياسيّة، ويحاضر فيها الصحافييون والكتّاب.


إلى جانب المقاهي مولات تجاريّة تحاول أن تطفو بصعوبة على وجه الضّاحية من "جبران مول" على طريق المطار إلى "بيروت مول" على طريق صيدا القديمة، والتي كانت محاولةُ إحيائها صعبة خلافًا لـ "الستي سنتر" الذي يبدو من الصّعب جداً إيجاد موقف شاغر فيه عند عطلة نهاية الأسبوع، لأنّ الضّاحية كلّها تكون قد زحفت إليه.


أمّا قرية السّاحة التّراثيّة والتي شكّلت علامة فارقة في الضّاحية، فصارت مقصداً لسكّان المناطق الأخرى. إذ تضم فندقًا ومطعماً وملاهٍ، وتستقطب قادة من حزب الله، إذ تعد مركزاً للإحتفالات والإفطارات والتكريمات والمؤتمرات، كذلك مطعم "بريدج" الذي يطل على ملعب "الغولف"، وفندق "غولدن بلازا" الذي تقام فيه الأفراح والنّدوات، وملاهي "فانتزي ورلد" التي يجد فيها الأطفال عالمهم السّعيد.
بهذا الشأن يؤكّد ضرغام "أنا أعتز بالمؤسسات والمحال التي تحيي الضاحية مشكلةً دورة اقتصادية كاملة"، ويضيف "إذا أردنا أن نقارن ما نجبيه منهم بما نقدّمه لهم، فالرقمين متساويين، ولكن لا يمهمنا ما يقدّمون لنا ماديًا، بل ما يقدّمون معنويًا للضاحية"، ويفسّر "مردودهم يبقى ايجابيًا وإن كانوا يشكّلون ضغطًا على البلديّات. ويضيف "في فترة الأعياد، نخصص لأحد المحال 12 إلى 13 شرطي بلديّة في اليوم الواحد، ولكن ما نتطلّع إليه، هو فرص العمل التي أمّنها هذا المطعم أو ذاك لأبنائنا".


أسواق بسمنة وأسواق بزيت
"قطعة الثّياب في سوق "حيّ السّلم" التي قد تشتريها بـ 15 ألف ليرة، ستجدها نفسها في سوق "معوّض" بـ 60 ألف"، هذا ما تؤكّده علا ناجي التي تصف نفسها "خبرة بالأسواق".
يعلو صوت امرأة تتشاجر مع البائع ليخفّض لها السّعر، يخترقه صوت "موتسيكل" وحده قادر على أن يعبر داخل سوق "حيّ السّلم" الضّيق، ينطلق في الأحياء العشوائيّة بـ "اشبمان" مثقوب، يشقّهما صوت عربة خضار تئزّ عجلاتُها أزّاً في سوق "برج البراجنة"، "عالمكسر يا بطّيخ"، يعبر صوتُ صاحبها كقطار بخاري نحو سوق "عين السّكة" الذي تفوح منه رائحة البن، وتختلط برائحة البالات القائمة تحت الأرض، بالات تبيع الثياب والأحذية بأسعار رخيصة، كما تنتشر متاجر الإكسسوارات ومحال البقالة والخلطات السّحرية والأعشاب. 


أجرة المحال في سوق عين السّكة الرخيص، باهظة الثمن إذ يصل أجار المحل الواحد إلى 2000 و3000 $ رغم أنّ مساحته ضيّقة جداً، ويعود سبب ذلك  إلّى أنّ السّوق مكتظ جداً ومفعم بالحياة، هناك حيث معظم التّجار من قدامى المالكين ومؤسسي السّوق، والذين يتذمّرون من التّجار السّوريين الذين يبيعون بضاعتهم بأسعار أرخص. يقول أحد التجّار "مش الحق عليهون، الحق على لبأجّرهم".
إلى "سوق الجّمال" في الشّياح، الذي يعتبر سوق البالات الرخيصة، والخضار والثياب وبسطات السوريين، وصولًا إلى سوق حي السّلم حيث تباع بضائع تحمل ماركات عالميّة بأسعار زهيدة مقلّدة بإحتراف.
أمّا "سوق الأحذية" بعين الدّلبة والذي يبيع أحذية بالجّملة، فيعتبر مقصداً لكل تجّار لبنان، إذ يحتوي على معامل لصناعة الأحذية.
ختاماً، نصل إلى سوق معوّض الذي تُعد من أرقى أسواق الضاحية – حيث ترتفع الأسعار، وتختلف النّوعيات وتتبدّل ملامح المارة الذين يبدون من الفئة الميسورة.
القاطنين في الأسواق أشخاص إعتادوا على الضّجة حتى صارت جزءاً من حياتهم، تقول السّبعينيّة أم علي الدروبي التي تقطن في برج البراجنة أنّها ظلّت تصطحب إبنتها إلى السّوق عند شراء الحاجيات إلى أن "لقت نصيبها" وتزوّجت. أمّا كيف وجدته؟ فتجيب "الحجّة": "الطريقة سهلة، كل ما عليك فعله هو أن تمشي في السّوق، وكوني على يقين أنّ احدى النّسوة ستوقفك وتطلب يدك لإبنها... والرّزق على الله".


هكذا تبقى الضّاحية مفعمة بالحياة والحب والكرامة رغم كلّ تناقضاتها، وكلّ الطّبقيّة التي باتت صارخة فيها ضمن أبناء الطائفة الواحدة، ويبقى الخبز الأبيض والخبز الأسود من عجينة نفسها.

فرح الحاج دياب - خاص الضاحية

إخترنا لك