جديد الموقع


هذا اليوم السادس لي في تهران، عجيب هو أمر هذه المدينة التي لا تخلو ساحاتها ولا شوارعها من الاشجار والخضرة. دين الحكومة تسديه لشعبها بما يليق به من خدمات، طرقات، وحدائق، يرد الشعب بالجميل ذاته ويترجم ذلك لها بالانتظام واحترام القانون. الكهرباء للمواطن الايراني بثلاثة اضعاف المواطن الاوروبي من ناحية الكمية وبأقل لناحية الكلفة، لا هم للمواصلات حين توصلك بطاقة صغيرةٌ بتراب المال الى مختلف جوانب العاصمة، اما زحمة السير، فشأنك ان تحسن اختيار الاوقات المناسبة للانطلاق.
قل المتسولون هنا، على عكس الموسيقى التي ترافق كل شارع وحارة، ونفحة حبٍ لخصتها ابيات شاعر فارسي، تلعب على اوتار القلب، ما إن يُترجم للزائر معناها.
كأن التاريخ استوطن هذه المدينة، فحفر له على جدرانها الذكرى، هنا اندلعت حرب، هنا استحكم الشاه، وهناك قصة شعب وحضارة.
الطعام هنا بسيط – قوامه الارز وقلة الالوان في الطبق الواحد – على عكس قائمة اطعمتنا، فلسفته كذلك، وهي أنه لسد الحاجة واعانة البدن على تأدية ما عَلَيه من واجب، نتيجته أن لا بدانة متفشية هنا، وميلٌ لرقة القلب والاستشعار وجداناً، وانعكاس لفاتورة استشفائية أرق على جيب وزارة الصحة ربما.
الأجمل من علاقة المواطن بأشجاره، علاقته بشهدائه حين ينقش صورهم على الجدران ويزين بهم اسماء الشوارع، للشهداء هنا غلبة الحضور على صور السياسيين والقادة، والتي استغربت قلتها، يبدو أن الولاء يأخذ طابعاً أكثر عمليةً من مجرد صورة للزعيم او النائب أو غيرهما.
للفن في تهران الغلبة في كل شيء، تماما كسحابة الدخان الملوث التي تغلب سماء المدينة مطلع كل صباح. نعود الى الفن، لاسم كل محطة ميترو وهي ثمانٍ، تصميمها الخاص، للإعلان الدعائي هنا معايير لا تبدو سهلة، للزهور نقشتها على الارض تماماً كما حال الجسور في الاعلى، التماثيل في كل مكان وبمختلف المعاني، الفن ينحت من كل شيء حصته، ويترك للمسارح ومعاهد الموسيقى حصتها ايضاً، وهي التي كثرت في مختلف انحاء العاصمة الايرانية.
كي ترى تهران على حقيقتها، لا بد من زيارة برج ميلاد، سادس ابراج الاتصالات في العالم ارتفاعاً، فتهران من الاعلى تكشف لك حقاً عن عظمتها، فسيفساء من الشوارع العامة، تقسم مجمعات سكنية واخرى اقتصادية، وتفصل بين شمال ثري وجنوب اقل ثراء.
تفرض جبال بُرُز سطوتها على العاصمة حين تسورها، يتنوع معها الطقس في المدينة الواحدة، وكذلك جمال الطبيعة، لتتربع “دربند” المنحوتة على كتف النهر وفي بطن الجبال عرش المناطق.
تكثر مفاتيح المدينة حين تتجول بها سائحاً، من أين يجدر بنا الدخول الى مدينة أتمت عامها الالف بعد الالف، بعد خمسة ايام؟ وجدت أن المتاحف على تنوعها خير بداية للدخول، متحف التاريخ الايراني، متحف الفن الاسلامي، متحف الدفاع المقدس..وغيرها.
الجرعة الامثل بعد المتاحف، وجوه الملايين من التهرانيين ونزلائهم، وهنا حديث آخر، بحث ربما في الفلسفة والسياسة والعقلية والانتروبولوجيا، ما يحتاج سنين ربما لفهمه، وهدوءاً في استيعاب ما يجري. على سبيل الاستعارة، كيف تسير الساقية على جوانب اوتوستراد ولي عصر، دون أن تتوقف أو يعترض أحد طريقها، فتشرب منها الاف الاشجار المعمرة على جوانب اكثر من ثلاثين كيلومتراً.
على هامش الجرعة الثانية، تحجز التماثيل مكانها، شمعاً، صخراً وخشباً، لكل مفهوم قومي تمثاله الذي يحكي عنه، ولكل عظيم من اولاد البلد او “همشهري” تمثاله ايضاً، يطل منه على الساحة او الحديقة ليحرص فيها على الحضور تاريخاً حاضراً ومستقبلاً.
إذا فهمت بعض لغز هذه المدينة، لن تكفيك اللقطات لتوثق حضورك فيها وحضورها فيك، عليك أن تعترف، لن تكفيك بضعة ايام لفهمها، هي أصلاً لن تبوح لك بذلك دون أن تدرك في ذاتك بعض حبها. تهران تبدأ من خرمشهر ولا تنتهي في اصفهان، ودفتاها سجادة تحتاج لكثير من الخيوط والصبر، العشق والقوة، الصمت والتفكر.
مشكلة تهران أنها لا تتقن فن الترويج لنفسها، شأن عواصم أخرى أقل قصداً وأقل شهرة وأحسن سمعة بمعايير دول العالم الأول، لن تفهمها الا حين تغوص فيها على انفراد وبعيداً عن اي ضوضاء احضرتها معك من خارجها.
 

محمد نسر

إخترنا لك