أحدث الأخبار


ابتسم أنت في "الفان" رقم 4

02 تشرين الثاني 2017 - 04:27

فرح الحاج دياب - صحيفة الإتحاد اللبنانية

صباحُ الخير يا بيروت، إنّها السّابعة والنّصف. أردد في رأسي أغنية "خدني معك ودّيني ع شارع الحمرا"، قبل أن أصعد في الطّائرة الحربيّة من طراز "فان" رقم 4 التي تسير بسرعة هائلة. على وقع كلمات أغنية نعيم الشّيخ التي تُسحق أغنيتي الرقيقة "ما بدّي واحد مؤمن أو حجّي، أنا بدي واحد أزعر نسونجي"... كلمات الشّيخ تبدأ بالإلتصاق في رأسي، ماذا لو رددتها بالخطأ أمام أمّي لدى عودتي من العمل!


الهواء البارد يلفح وجهي، فقبطان الطّائرة "المخترع" قد استعاض عن النّافذة الزّجاجيّة بكيس من النّايلون. تقفز "الطائرة" فوق مطبٍ هوائي، فتوقظني من شرودي، ينطلق بعدها "الفان" بسرعة هائلة، ثمّ يفرمل فجأة. تتمسك الإمرأة الخمسينيّة بالمقعد أمامها، وتصرخ "يا مشحّرة شو صار؟" يجيبها السّائق والسّيجارة في فمه "ما في شي يا حجّة، كنت عم سكّر الباب". لا بأس، يبدو أنّ "الحجّة" لم تعرف بعد أن إغلاق الباب بهذه الطّريقة المتطوّرة هي موهبة تولد مع السّائقين.
رافقتكِ السّلامة سيّدتي، أنتِ على متن "فان" رقم 4 الذي يقلع من محلّة الليلكي عند حيّ الجامعة في الضّاحية الجّنوبيّة ويهبط في وسط بيروت عند شارع الحمرا، ويعيدك إلى طفولتك في مدينة الملاهي مقابل 1000 ليرة فقط!


وراء كلّ موظّف لا يتأخر أبدًا فان رقم 4، فهو سيطير أو سيسير فوق السّيارات ليوصلك، ولا فرق بين الصّباح والمساء لدى سائقي الفّان الشّهير، فالحرب الأزليّة القائمة بينهم تبدأ منذ ساعات العمل الأولى. يلمح السّائق عن بعد 50 متر راكبًا يلوّح بيده، بسرعة عجيبة، يقيس خطوط الطّول العرض، ثمّ يحتسب المسافة وسرعة الرّياح متأهّبًا ليدوس على "البنزين"، إلّا أنّ "فان" آخر يقوده "أبو عذاب" يقترب منه قائلًا "حاج تدعس، خلّيك لورا". فيفكّر في نفسه، "إذا توقّفت للرّاكب، سيسبقني أبو عذاب، وإذا لم أتوقّف، سيأخذ أبو عذاب الرّاكب"، لذلك وبخطوة جريئة وفريدة من نوعها، يقرّر أن يدهس الرّاكب و"يرتاح منه" نهائيًا ويحل المشكلة.
السّائق القادر على إرتداء "بروتيل" أبيض رغم كلّ البرد كي لا يغطّي وشم "رضاك يا أمي" على زنده، يخال نفسه وريث "شومخر"، فيخوض السّباقات وهو يرتشف قهوته الصّباحيّة من فنجان كروتيني مِرفقًا إياه بسيجارة ذات رائحة مميته، يتجادل مع سائق آخر على الخط، يتحدّث مع الرّاكب الجالس إلى جانبه عن الإنتخابات وقانون النّسبيّة ونظريّة النّسبيّة لدى آينشتاين... فهو خبير بكلّ شيء. يردّ على زوجته عبر "واتس آب"، مضيفًا "هيدي وزارة الدّاخليّة ما فيني ما رد عليها"، وفي الوقت عينه، يصرّف الـ 20 ألف ليرة لأحد الرّكاب وهو يجول بين موجات الرّاديو باحثًا عن أغنيته المفضّلة... كل ذلك... و"الحامي الله". 
أحاول ألّا أفكّر في أيّ مسجد سيصلّون عليّ، أتجاهل السّرعة الجنونيّة التي يقود بها، تحدّثني صديقتي عبر "واتس آب"، أشعر أنّ كلّ من "الفان" يقرأ رسائلها معي، تقول لي أنّها تنتظرني في مقهى "ست الحسن"، أجيبها بأنني لا أعرف أين هو! لا تكاد تصلها الرّسالة حتى يقول لي الشّاب الذي يجلس ورائي "هلأ دغري بعد هالإشارة، بس نوصل أن بقللك"... لا أعرف ماذا أقول له "شكراً لك لأنّك تقرأ معي" أو "ما رأيك بأن ننزل معًا وترافقني ونصبح أصدقاء"!
كما يوجد في الحياة حب من النّظرة الأولى، يوجد في "فان" رقم 4 أيضًا  حب من أوّل "افتحلي الشّباك لو سمحت"، حيث يقع الشّاب مباشرة بغرام الفتاة التي تطلب منه ذلك... فإما أن ينتهي الحديث السّطحي على خير، أو يتدخّل السّائق الذي يعتبر نفسه حارسًا شخصيًّا مؤتمنًا على كلّ فتاة تصعد معه.
تعدّي إشارات السّير، والإنطلاق بالسّرعة القصوى على اتستراد بشارة الخوري عكس السّير، ووضع حزام الأمان أمام شرطيّ السّير بكلّ هدوء ثمّ الفرار منه، كل ذلك لن يسمح للسّائق بسماعك عندما تصل إلى وجهتك، حيث ستضطر لإرتياد "فان" رقم 4 آخر للعودة إلى المكان الذي تقصده، ورغم ذلك كلّه ستشعر فجأة بالإنتماء للفان، وأي "مشكل" يقوم به السّائق ستكون معنيًا فيه بكلّ جوارحك إن كان مع شرطي أو مع صاحب سيّارة خصوصيّة كاد يصطدم بها أو باص آخر ينافسه على الخط.
سائق "الفان" المتّهم بأنّه لا يرى النّاس أمامه إلّا 1000 ليرة، يرفض أن يأخذ أجرته من امرأة عجوز يبدو الفقر واضحًا على ملامحها، وحين تُصر على اعطائه إيّاها يبادرها "مجوّه الله عليكي ما بدي اياها". 
هذا "الفان" الذي يعيدك مساءً من عملك على أضواء "النّيون" الخفيفة، مرفقة بأغاني نعيم الشّيخ الصّاخبة، سينسيك وحدتك وتعبك وسط هذه الأجواء الرومنسيّة، كما سيعرّفك على الكثير من قصص النّاس...
 سيّدة ثلاثينيّة تحكي همومها لكلّ الركاب، رجلٌ متفلسف يحاول الظهور. ينظّر عليها من هنا، ويقترح حلولاً من هناك، تقول أنّ طليقها إختطف ابنها من المدرسة، مع أنّ الحضانة من حقّها، ولا أحد يجرؤ على استعادة الطفل منه لأنّه "أزعر"، تنعته بالبخيل، تقول أنّه كان يضربها صباحاً ومساءً.

سائق الحافلة يصب كلّ تركيزه في إيجاد ركّاب للمقاعد الشاغرة...في المقعد الأمامي رجلٌ نحيل يضع صرّة ثياب على ركبتيه، يحاول إقناع الصّبيّة إلى جانبه بشراء أي شيء منه.
في المقعد الخلفي، فتاة تضع رأسها على كتف حبيبها، لا يسمعان ولا يريان ولا يعرفان أين أصبح "الفان"، أمّا أنا، فأحاول أن أصغي إلى حكايا الجّميع، هؤلاء الذين رغم كلّ ظروفهم العصيبة، يطلّون على بيروت من شبّاك محطّم، أو باب مخلوع... ويبتسمون للحياة.