أحدث الأخبار


كهرباء الضاحية: الحاجة أمّ «الاشتراك»!

31 تشرين الأول 2017 - 10:20

أدهم جابر - صحيفة الإتحاد

"أهلية بمحلية".. بكلمتين يختصر مهندس الكهرباء حسن ياسين علاقة أصحاب المولدات الكهربائية في الضاحية بالمشتركين، مختزلا أزمة تكاد "تكهرب" الضاحية لدى حدوث أي "ماس" بين أصحاب المولدات والجهات الرسمية.  
ياسين الذي كان أول من "أدخل الانارة إلى الحارة" هو "فاعل خير" بالنسبة لسكان حارة حريك، فيما الدولة "شيطان ظلام".

في العام 1992 اشترى ياسين مولداً بقوة «10 kva» لاستخدامه في شركة خاصة أنشأها في حارة حريك لسد النقص الحاصل في الكهرباء. وبسبب ازدياد ساعات «التقنين»، لجأ جيرانه من أصحاب المحال إليه للحصول على الكهرباء لمحالهم التجارية في مقابل مساهمتهم بثمن «المازوت». بلغ عدد المشتركين 10 في البداية ثم ارتفع إلى مئة فاشترى مولداً آخر «110 kva» ولدى وصول أعداد مشتركيه إلى أكثر من 500، اضطر ياسين إلى شراء مولدات بقدرات عالية تلبية لحاجتهم.
يقول ياسين: «لم يكن الهدف التجارة بالكهرباء بل تلبية حاجات الناس، وكنا نغطي لغاية منتصف الليل، لكن مع ازدياد ساعات التقنين جاءت فكرة مشروع كبير لإنتاج الكهرباء وتأمين التغذية لمدة 24 ساعة في اليوم». يضيف: «الناس يثقون بنا لأننا حاجة بالنسبة إليهم، ونراعي أوضاعهم المالية».
هذه الثقة أدت لاحقاً إلى استنساخ تجربة ياسين في مناطق أخرى في الضاحية وبدأ هؤلاء «تجارة مربحة قامت على علاقة نسجها أصحاب المولدات مع الأهالي من جهة، ومع الجهات البلدية من جهة أخرى، كأن يقوموا بتوزيع الكهرباء مجاناً لبعض المرافق والمنازل، فيما لجأ آخرون إلى استغلال أسماء عائلاتهم العشائرية أو انتمائهم السياسي لفرض وجودهم ولو بقوة السلاح»، بحسب ما يقول مصدر بلدي.

205 تجار و 485 مولداً للكهرباء

بحسب أرقام اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، يبلغ عدد المسيطرين على تجارة الكهرباء في الضاحية نحو 205 اشخاص يتوزعون على: الغبيري 67 شخصاً، برج البراجنة 62، حارة حريك 28، المريجة 20، ونحو 28 في المناطق الأخرى التابعة لبلديتي الحدت والشويفات.
ووفقاً للأرقام، فإن هناك 165 شخصاً في نطاق الاتحاد يملكون 425 مولداً تقريباً، فيما يقدر العدد في المناطق الأخرى بنحو 60 مولداً. وتراوح قوة المولّدات بين 110 kva، إلى 1000 kva، وهي تغذي نحو 90 ألف مشترك في كل المناطق.
يوضح المصدر البلدي نفسه، أن «مشاكل كبيرة حدثت بين أصحاب المولدات وصلت إلى حد استخدام السلاح، إلى أن تمكنوا من الوصول إلى تفاهم في ما بينهم حول تقاسم الأحياء، ووصل الأمر إلى قيام بعض هؤلاء بإلزام المواطنين الاشتراك بمولداتهم تحت وطأة الترهيب والتهديد». يضيف: «بهذه الطريقة تحكّم أصحاب المولدات بكهرباء المواطنين وبالتسعيرة إلى أن تدخلت الدولة منذ العام 2010 بعد ارتفاع صرخة الأهالي في بعض الأحياء وشكواهم من ارتفاع الفاتورة. فشكّلوا بذلك ما اصطلح على وصفه بـ (المافيا)».
جاء تدخل الدولة بداية لضبط «التسعيرة» من خلال وزارتي الطاقة والمياه ووزارة الاقتصاد، لكن كل المحاولات باءت بالفشل إذ كان أصحاب المولدات يتمادون في تجاوزاتهم، ثم بدأت الأمور تتغير تدريجياً منذ نحو العام تقريباً، عندما فعّلت البلديات ضبط المخالفات. ويقول المصدر البلدي: «حدثت مشكلات كثيرة بين أصحاب المولدات والبلديات مما أدى إلى قيام شرطة البلديات بالتدخل فتم قطع بعض أسلاك المولدات وتعطيل علب الكهرباء في حارة حريك، والغبيري، إلى أن أثمرت الجهود في النهاية التزاماً بنسبة 80% تقريباً من أصحاب المولدات بتعرفة وزارة الطاقة والمياه».
وغير مسألة «التسعيرة»، يقول المصدر: «تسجل خروق من نوع آخر لتجار الكهرباء الذين وضعوا مولداتهم على الأملاك العامة، وقد تمكنت البلديات من إزالة القسم الأكبر من هذه المخالفات لكن لا تزال هناك بعض التجاوزات». ويضيف بسخرية: «إذا كان بعض هؤلاء بحقه مذكرات توقيف بتهمة القتل فما الذي سيخيفهم»؟

خارجون على القانون

تدرج جميع البلديات عملية بيع الكهرباء في خانة الخروج على القانون، لكنها مضطرة للتعامل معهم كأمر واقع، وكذلك التعاطي بجدية مع مسألة التعديات على الأملاك العامة.
ويؤكد رئيس بلدية الغبيري معن خليل أن البلدية أصدرت تعميماً بإزالة كل المخالفات الموجودة في نطاقها، مشيراً إلى أن أصحاب المولدات التزموا بذلك، وإن كانت لا تزال هناك خروق من بعض المخلين لكن أعدادهم قليلة جداً. ويوضح خليل أن البلدية مصرة على تنفيذ تعميمها في هذا الخصوص، وإن لزم الأمر من خلال شرطة البلدية والقوى الأمنية.
بدوره، يشير رئيس بلدية حارة حريك زياد نكد إلى أن العمل مع أصحاب المولدات بدأ منذ ثلاث سنوات تقريباً، وقد عقدت لقاءات عدة خلال هذه الفترة، انتهت بالسيطرة على ارتفاع الأسعار، والتزام معظم مولدات الحارة بـ «التسعيرة» الرسمية، كما قام بعضهم بتركيب عدادات خاصة للمشتركين.
ويعتبر نائب رئيس بلدية برج البراجنة زهير جلول أن وجود «المولدات غير قانوني، لأن القانون لا يسمح ببيع الكهرباء»، موضحاً أن «تدخل البلدية يكون باتخاذ قرارات لضبط الأمور ومنعها من الخروج عن السيطرة. وتالياً بات بإمكان عناصر شرطة البلديات تسطير محاضر ضبط بحق المخالفين للتسعيرة، أما في حال عدم الالتزام فإن الأمر يصبح عند وزارة الطاقة التي تستعين بوزارة الاقتصاد للمحاسبة».
ورداً على سؤال حول الرعاية السياسية لأصحاب المولدات، يؤكد جلول أن «لا تغطية سياسية لأصحاب المولدات لا من «حزب الله» ولا من حركة أمل، إذ إننا لم نتلق أي مراجعة عملية أو فعلية في هذا الخصوص من الطرفين».

 

انخفاض الفاتورة إلى 50 دولاراً كمعدل وسطي

جهود وزارتي الطاقة والاقتصاد والبلديات أثمرت في الحد من ارتفاع قيمة الفاتورة، فهبطت إلى نحو 50 دولاراً في الشهر كمعدل وسطي لكل 5 أمبير. وبحسب نائب رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية المهندس علي سليم، فإن هذا يعني أن مصروف الضاحية من الكهرباء يصل إلى 4 ملايين و500 ألف دولار في الشهر، بمعدل 54 مليون دولار سنوياً.
يوضح سليم أن تسعيرة وزارة الاقتصاد لكل ساعة 5 أمبير أو «kwh» تراوح بين 180 و258 ليرة بينما تسعيرة كهرباء لبنان تراوح بين 35 ليرة لأول 200 «kwh» و55 ليرة لثاني 400 «kwh» و120 ليرة بين 600 إلى 800 «kwh». واذا اعتبرنا أن متوسط مصروف الوحدة السكنية هو 700 كيلووات في الشهر، فإن المفارقة هي أن تكلفة فاتورة كهرباء لبنان تكون في حدود 50 ألف ليرة شاملة الضرائب ورسم الاشتراك، في حين تبلغ فاتورة الاشتراك 150 الف ليرة في الشهر!
يؤكد خبراء أن تجار الكهرباء يربحون بطرق مباشرة وغير مباشرة إذ يبيعون المشترك 5 امبير في حين أن المعدل الوسطي لمصروفه هو نحو 3.5 امبير وبالتالي يوفر صاحب المولد 1.5 امبير يبيعها لمشترك آخر، وبهذه الحسبة تصل أرباح أصحاب المولدات إلى نحو 40% من الفاتورة الشهرية. ولضبط عملية الاستهلاك، يشير سليم إلى أن وزارتي الطاقة والمياه والاقتصاد طلبتا من البلديات إلزام أصحاب المولدات بتركيب عدادات على «kwh» بدل المقطوع، وكان من المفترض أن يعمل بالقرار في أول الشهر الحالي، لكن رفض أصحاب المولدات وتشكيلهم لجاناً لمتابعة ودراسة القرار المذكور أدى ذلك إلى تأجيل تنفيذه إلى آخر السنة الحالية بحجة عدم وجود عدادات كافية في لبنان لتغطية كل المشتركين. علماً أن مالكي المولدات التزموا بالعدادات في بعض البلديات دون أخرى.


المطالبة بزيادة الأرباح

وإذ يشدد سليم على أن أصحاب المولدات لا يخسرون «وإلا كانوا أقفلوا مصالحهم»، إلا أن المستغرب هو دعوته لزيادة نسبة من الربح المحدد لمالكي المولدات تحدد من وزارة الطاقة والمياه، على كل (kwh) مبرراً ذلك بالقول «إنه لا يمكن تركيب عدادات على الاستهلاك الحقيقي، إذا كانت تسعيرة وزارة الطاقة للـ (kwh) هي في الحقيقة كلفة الإنتاج». في المقابل، يدافع أصحاب المولدات بالدفاع عن انفسهم، بالإشارة الى حجم مصاريفهم الباهظة. ويؤكد الناطق الإعلامي باسم لجنة الضاحية جاد نحلة أن رفض «تسعيرة» وزارة الطاقة ينطلق من كونها لا تنطلق في وضعها من أسس علمية وتقنية أو منطقية إذ تربط التسعيرة بالمصاريف المتحركة من دون أن تأخذ بالاعتبار المصاريف الثابتة كإيجار المكان ورواتب الموظفين واستهلاك المولد والشبكة.
ويسأل نحلة: «لماذا لا تمنحنا الدولة التراخيص اللازمة وتعاملنا كمؤسسات شرعية، خصوصاً أننا نحتاج إلى تأمين وضمان موظفينا. نحن نستر على تقصيرها وفي المقابل لا يلتفتون إلينا».
الغريب في الأمر أن أصحاب المولدات عرضوا على الدولة إنشاء محطة لإنتاج الكهرباء أو الاتيان بباخرة كهرباء خاصة بالضاحية، مما يوضح حجم القوى المادية لهؤلاء، والذي يؤكد مصدر بلدي أن أحدهم تمكن من جمع ملايين الدولارات في مدة زمنية قياسية!
بلغة الأرقام يبلغ مصروف مولدات الضاحية وحدها من مادة المازوت نحو 37 مليون دولار في السنة، يضاف إليها نفقات الزيوت الصيانة، وتالياً يمكن تخيل حجم القطاعات التي يمكن أن تشغّلها هذه المولدات، مما يجعلها حاجة ليس للمواطنين وحسب، وإنما لتجّار المحروقات في الدرجة الأولى والقطاعات الموازية، وربما ذلك ما يثير علامات الاستفهام حول عدم المس بالمولدات، تارة تحت شعار «عجز الدولة» وأخرى من خلال المفاوضات التي تخوضها وزارتا الطاقة والاقتصاد مع تجمعات مالكي الموّلدات، وتالياً فإن أداء الدولة في الملف هو تكريس لهذا الواقع وإضافة نوع من الشرعية عليه بخلاف القانون، وإلا فما الداعي لأن تبحث الدولة بوزاراتها عن خطط لتأمين الكهرباء 24/24 في الضاحية، وفي موازاة ذلك تبحث عن وسائل للحفاظ على مصالح أصحاب المولدات ليكونوا البديل الطارئ لأي عطل يصيب الكهرباء الرسمية، ومن الاقتراحات المعروضة منح كل صاحب «اشتراك» مبلغ 10 آلاف ليرة شهرياً عن كل مشترك تُدفع من جيبة المواطن وبالتالي يمكن لصاحب «المصلحة» أن يتقاضى بالحد الأدنى مبلغ 200 دولار عن كل مولد بقوة 300 kva، حتى وإن لم يعمل المولد ولا ساعة واحدة في الشهر!
إذاً، من المسؤول عن «خصخصة» قطاع الكهرباء خارج الأصول القانونية ومن الذي أسقط عن أصحاب المولدات صفة الخروج عن القانون ومنحهم سلطة التحكم بكهرباء الضاحية وقوة إغراقها بالظلام بكبسة زر؟!

300 ميغاوات لتغذية 24/24

تستهلك الضاحية نحو 300 ميغاوات من الكهرباء (24 ساعة في اليوم) وهذا رقم لا تؤمنه مؤسسة كهرباء لبنان، التي يذهب معظم انتاجها من الكهرباء إلى بيروت الإدارية والمناطق الأخرى. ويبلغ معدل ساعات تقنين الكهرباء (قطعها) نحو 350 ساعة في الشهر، ويزيد عن ذلك بسبب ضعف وقدم محطات التحويل الموجودة في الضاحية والتي يقدر عددها بنحو 400 محطة، ولحل هذه المشكلة تم إنشاء محطة تحويل مركزية خاصة بالمنطقة بقدرة 210 ميغافولت امبير، وقد تم تجهيز هذه المحطة لكنها لم تفتتح رسميا حتى اليوم، علما أن لها أثرا إيجابيا لجهة توزيع الطاقة. وبحسب الخبراء والدراسات غير الرسمية فإن تشييد محطة لتوليد كهرباء للضاحية يحتاج إلى ملايين الدولارات كذلك أن سد النقص من خلال مولدات المازوت يحتاج إلى نحو 60 مليون دولار لكل مناطق الضاحية، وهذه الأموال لا يمكن للبلديات تأمينها.

12 لجنة متابعة..

برغم نفي مالكي المولدات لأي انتماء سياسي أو حزبي لهم، إلا أنهم تمكنوا من تشكيل 8 لجان تضم تجمعات المالكين في كل لبنان، تجمعها لجنة مركزية مؤلفة من ثلاثين عضوا. وإضافة إلى هذه اللجان هناك لجنة القانون تتألف من 7 محامين لمتابعة الأمور القانونية، واللجنة التقنية وهي مؤلفة من مهندسين وتقنيين تعنى بأمور دراسة "التسعيرة"، واللجنة المالية وهي مسؤولة عن الصندوق وتعنى بتنظيم المدفوعات والمصاريف وتوزيعها على اللجان في المناطق بالتساوي، ثم اللجنة الإعلامية وهي تعنى بالتنسيق مع وسائل الإعلام وتنظيم اللقاءات والمؤتمرات من الناحيتين الإعلامية والإعلانية.
تضم لجنة الضاحية 7 أعضاء يتناوبون على المشاركة في اجتماعات اللجنة المركزية وتتابع اللجنة كل الأمور الخاصة بأصحاب المولدات.