أحدث الأخبار


أبو الشهيدين علي ومهدي ياغي.. العز بالشهادة

09 حزيران 2017 - 02:30

لن أكتب عن مهدي ياغي، ولا عن علي ياغي، سأكتب عن صانعهما، سأكتب عن عظيمٍ من بلادي. هو ذاك الرجل الصلب الأشم، من يفرحه خبر الشهادة، وكأنك تروي له حادثة طريفة، وفيه شيءٌ من الطمع، هو يريد العز كله، ويليق به، ويفيض به، يريد تتمة الحادثة. بعد إحياء ليلة قدرٍ كبرى، ليلة عليٍّ شهيد المحراب، أقبل إليه كبيره عليّ، مسرعاً يطوي خطواته، لا تسع الدنيا فرحته. وحين قابلت عيناه عينَي والده، لم يرد طرفه، سريعاً زفّ الخبر "ببشرك مهدي استشهد".

هو تمنى لو أن الأرض تطوى تحت قدميه كي يزف البشرى، لوالد البشرى، الذي استقبل الخبر رافعاً يديه إلى حيث علت روح مهدي "الحمد لله رب العالمين". يقول أبو علي أن وجه وعيني علي كانت ترقص فرحاً عند زف الخبر، أما هو فقد نزل عليه خبر شهادة فلذة كبده برداً وسلاماً، هبطت عليه في تلك اللحظة تساؤلات زادت فرحته أفراحاً "إنو الله شو هالكرامه اللي اعطاني ياها، شهاده ونحنا بليلة قدر! إنو الواحد عم يطلب من ربو بليلة القدر الجنه وعم يطلب الخير وعم يطلب عزه وكل شي و الله أعطاه ياهن! تاني شي حقق حلم إبني! كان حلمو الشهاده شو بدي أكتر من هيك أنا أنبسطلو فيه! قصور بالجنه نعيم مع مين هوي بين إيدين مين برحمة مين! راح محل ما كان يحلم ويعشق!". ليلتها لم يكن يعلم الوالد اسم ولده الجهادي، كان لديه سؤال واحد ومحدد، سأله مباشرة لعليّ "وين إصابتو؟" أجابه عليّ "خلص شو بيهمك، هوي شهيد! "فردّ الوالد "بيهمني اعرف، أنا بعرف إبني كرار مش فرار، ساعة اللي بيتصاوب بصدرو قادر اتطلع بالسيده الزهراء.. وقادر هيك يكون وجي أبيض".
في اليوم التالي، يوم التهاني، جاء عليّ حاملاً البشرى الثانية، أسرّ لأبيه بكلمات زادت محياه بِشراً وتألقاً "ببشرك 8 رصاصات بصدرو ووحدة بإجرو". تنهد ذاك الأبيّ "خيّ الحمدلله، هيك عرفت إنو إبني مواجه الحمدلله".

وحين يحدثك عن مهدي، تتسابق البسمة والضحكة الى رسم وجهه. يذكر قصص مهدي كأنه طفلٌ يلعب في الغرفة المجاورة وهو يروي نهفاته الجميلة. في إحدى المرات حين أتى مهدي من عمله الجهادي، صارت أمه توصيه بالحضور في الجامعة، وهو الذي لم يرسب قط ولو في مادة واحدة، فأجابها "شو بدك؟ بدك شهاده؟ وحياتك رح جبلك شهاده خليكي ترفعي راسك فيها كل العمر". يضحك أبو علي وهو يتذكر كيف أن أم علي ظنت مهدي يقصد شهادة الدكتوراه، ويؤكد الأب "وفعلاً هيدي الشهاده أهم من 100 دكتوراه".

هذا الرجل الشامخ شموخ قلعة بعلبك، الجبل الذي لا يزيده تواضعه إلا هيبةً ووقاراً، ينفي أن يكون له فضل في صنع ولديه المجاهدين "أنا شو خصني هم أولاد أهل البيت، هم تربية أهل البيت، الله اعطاني ياهن و الله بيقبض ساعة اللي بدو بياخد، هودي ترباية أهل البيت أنا ما إلي فيهن".

يحدثنا عن مجاهدَيه، عن علي ومهدي، عن حاملَي اسمَي أول وآخر الأئمة الأطهار عليهم السلام، اللذَين قبل استشهادهما وقبل استشهاد مهدي، كانا يحملان حقيبة الجهاد ويمضيان، وهو يدرك أنه ممكن أن يعود أحدهما أو كلاهما شهيدا، لكنه كان بكامل الطمأنينة والسكينة عليهما، وعلى خطهما ونهجهما وجهادهما. هو رضا الأب الذي يملك إيماناً ويقيناً يطفح بهما قلبه الطاهر، وثقةً بسيد الانتصارات "هيدا خطنا وهيدا نهجنا، وهيدا الفخر تبعنا إنو نكون بهيدا الخط، وانشالله كلنا نكون شهدا بهالخط، مع هالسيد الصادق، تحت راية حزب الله مع السيد حسن في سبيل هالدين. نحنا ما مندعيلو يا رب طول بعمرو، يا رب شيل من عمرنا وزيدهن بعمرو لإنه جدير ان يكون قائد، جدير أن يكونمستلم هالرايه وماشي بهالمسيره".

أبو علي، وهو الثابت على يقينه، ذو البأس الذي لا يلين، ولا يضعف، ولا ينكسر، مليء بالعاطفة، بالحب. لقد عشق ولديه وعمل ساعياً جاهداً أن يؤمن حياتهما، حياتهما الحقيقية الأبدية الخالدة، حياتهما مع آل بيت محمد الأطهار. وبعد شهادة مهدي، لم يتراجع، هو يريد لعلي ما وصل مهدي إليه، يريد لهما الأفضل، يريد لهما أعلى مقام، ومجاورة أشرف الخلق، ولقاء وجه الله مخضبين بدمائهما.

استشهد علي.. بعد سنواتٍ أربعٍ من الحنين لمهدي، وأيضاً في شهر الفضل والخير والرحمة والبركة، يعود بشهادة علي يسترجع مشاهد استقبال وتوديع مهدي، وحتماً استحضر لحظة زفّ إليه علي خبر شهادة مهدي، سنوات أربع يتشارك أبو علي مع علي الشوق لمهدي، يأنسان بذكريات مهدي ونهفاته، يسند أحدهما الآخر، وهما ثابتان على العهد لمهدي، ويوم التقى علي بمهدي، وتجاور الأخوان، يقف الأب بكل عزم ويجدد العهد، وهذه المرة بالأحفاد، ففلذتاه وصلتا "بهالشهر المبارك حتى يزكيلنا أعمالنا بيكفي إنو نكون مضرجين بالدم فدا الإمام الحسين، فدا الدفاع عن الدين، فدا الدفاع عن هالأرض تحت راية السيد، تحت راية ولي الأمر، وأنا بكل فخر لو كان عندي بعد أكتر ما قصرت، بس انشالله عم جهز الباقي للدفعه التانيه ليكونوا مع صاحب العصر والزمان".

مهدي في وصيته خاطب أباه " وأنت الذي علمتني يا أبتاه والآن تنتج حصادك بأن يكون لك ابن تفخر به في الدنيا والآخرة".
يا والد الشهيدين، وما زال زرعك ينمو وتحصده شهادةً وعزة، أيها الأبيّ الوفيّ، مبارك لك كل هذا العز الذي تصنعه يداك المعطاءتان.